ابن كثير

31

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

قال جويبر عن الضحاك : إن اللّه تعالى لا يقسم بشيء من خلقه ولكنه استفتاح يستفتح به كلامه ، وهذا القول ضعيف ، والذي عليه الجمهور أنه قسم من اللّه يقسم بما شاء من خلقه ، وهو دليل على عظمته ، ثم قال بعض المفسرين : لا هاهنا زائدة وتقديره أقسم بمواقع النجوم ، ورواه ابن جرير « 1 » عن سعيد بن جبير ويكون جوابه إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ وقال آخرون : ليست لا زائدة لا معنى لها بل يؤتى بها في أول القسم إذا كان مقسما به على منفي كقول عائشة رضي اللّه عنها . لا واللّه ما مست يد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يد امرأة قط ، وهكذا هاهنا تقدير الكلام : لا أقسم بمواقع النجوم ، ليس الأمر كما زعمتم في القرآن أنه سحر أو كهانة بل هو قرآن كريم . وقال ابن جرير « 2 » وقال بعض أهل العربية : معنى قوله : فَلا أُقْسِمُ فليس الأمر كما تقولون ثم استأنف القسم بعد ذلك فقيل أقسم واختلفوا في معنى قوله : بِمَواقِعِ النُّجُومِ فقال حكيم بن جبير عن سعيد بن جبير عن ابن عباس : يعني نجوم القرآن فإنه نزل جملة ليلة القدر من السماء العليا إلى السماء الدنيا ، ثم نزل مفرقا في السنين بعد . ثم قرأ ابن عباس هذه الآية ، وقال الضحاك عن ابن عباس : نزل القرآن جملة من عند اللّه من اللوح المحفوظ إلى السفرة الكرام الكاتبين في السماء الدنيا ، فنجمته السفرة على جبريل عشرين ليلة ، ونجمه جبريل على محمد صلّى اللّه عليه وسلّم عشرين سنة فهو قوله : فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ نجوم القرآن ، وكذا قال عكرمة ومجاهد والسدي وأبو حزرة ، وقال مجاهد أيضا : مواقع النجوم في السماء ويقال مطالعها ومشارقها . وكذا قال الحسن وقتادة وهو اختيار ابن جرير ، وعن قتادة : مواقعها منازلها ، وعن الحسن أيضا : أن المراد بذلك انتثارها يوم القيامة . وقال الضحاك فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ يعني بذلك الأنواء التي كان أهل الجاهلية إذا مطروا قالوا : مطرنا بنوء كذا وكذا . وقوله : وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ أي وإن هذا القسم الذي أقسمت به لقسم عظيم ، لو تعلمون عظمته لعظمتم المقسم به عليه إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ أي إن هذا القرآن الذي نزل على محمد لكتاب عظيم فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ أي معظم ، في كتاب معظم محفوظ موقر . وقال ابن جرير « 3 » حدثني إسماعيل بن موسى : أخبرنا شريك عن حكيم هو ابن جبير عن سعيد بن جبير عن ابن عباس لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ قال : الكتاب الذي في السماء . وقال العوفي عن ابن عباس لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ يعني الملائكة ، وكذا قال أنس ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير والضحاك وأبو الشعثاء جابر بن زيد ، وأبو نهيك والسدي

--> ( 1 ) تفسير الطبري 11 / 658 . ( 2 ) تفسير الطبري 11 / 657 . ( 3 ) تفسير الطبري 11 / 659 .